حكايا الطفولة …..
28 يناير, 2010 من صلاح القرشي

عباءة لامعة
لعلي كنت في الثاني متوسط وقتها , أعود بين المغرب والعشاء إلى منزلنا مغبرا من لعب الكرة , ومشغولا بواجبات مدرسية لم أكملها , وعندما أصل إلى الزقاق الضيق الذي تحده المقابر من جهة والحوش المسكون من جهة أخرى تتسارع خطواتي ونبضات قلبي وأكرر البسملة حتى أصل للبرحة التي يقع بيتنا بعدها بقليل , لكنني في ذلك اليوم احتجت أن أعبر الشارع الموحش بهدوء وسكينة فما أن انعطفت نحوه حتى سمعت صوت يناديني ( ياولد ) كان الصوت قادما من باب أحد البيوت وبدت سيدة كبيرة تضع (شيلة ) على وجهها قالت :
- (تكفى ياوليدي أمش مع البنت الين توصلها أعلى الشارع أخوها ما جاء يأخذها وهي خائفة تروح لحالها )
قلت ( ابشري يا خاله ) ونادتها ( هيا لا تعطلين ولد الناس )
كانت أطول مني قليلا تلبس عباءة لامعة لا تشبه عباءة أمي , مشيت معها بهدوء وعندما تجاوزنا الشارع المظلم همست ( شكرا .. هذا بيتنا ) .
طيور
لم يخبرني أحد أنها غربان , ولم أكن وقتها قد فهمت أن الغراب نذير شؤم , لكنها كانت سوداء ومتشابهة , تحلق عاليا فوق جبلنا , كانت السماء يومها ممتلئة بغيوم بيضاء , وكنت سمعتهم يقولون أن السماء لا تمطر إلا عندما تصبح الغيوم غامقة .
الغيوم البيضاء كانت على أشكال مختلفة إحداها تشبه الفيل الذي شاهدته مع أبي في حديقة الحيوان .
الطيور لا تختفي خلف السحابة التي تشبه الفيل , لكنني كنت أعتقد أنها قريبة جدا من تلك السحابة تمنيت كثيرا لو كنت قادرا على الطيران , ولما رأتني أمي لا أرفع نظري عن السماء قالت :
- ( رقبتك ستنكسر .. وش تبي بهالغربان عينك فيها ) ؟
- جميلة !
- ( قطعها الله روح شف دروسك ابرك لك ).
خرطوم الفيل اختفى وتحول إلى مكعبات ودوائر صغيرة , فيما سحابة أخرى صارت تشبه بطوط في مجلة ميكي ..والطيور لا تزال تحلق عاليا , بعضها يبدو بعيدا جدا , وأمي تلفحني بنظراتها كلما وجدتني رافعا رأسي أراقب الطيور السوداء الجميلة .
جريدة
طلب مني أن أشتري له جريدة , ومنحني ريالين قائلا : (وخذ لك بيبسي حق تعبك )
وعندما أحضرت الجريدة لم أجده أسفل البناية فصعدت الدرج واحترت أي شقة يسكن ولم أجد حيلة سوى أن أطرق أحد البابين , فتحت لي شابة ذات شعر طويل وثوب قصير الأكمام وخدّين متوردين وصدر نافر ..قلت الجريدة , قالت شكرا .
وفي الحارة أخبرت كل رفاقي أنني( شفت وحده زي القمر ) .