العجوز
13 يناير, 2010 من صلاح القرشي

صار ينسى قليلا, تتداخل الأماكن والأزمنة في ذاكرته, لأنه يتحدث أكثر مما يستمع,ربما لأنه فقد حاسة السمع تماما و فشل في التأقلم مع سماعة الأذن الخارجية التي اشترتها له ابنته.
قلت أنه ينسى قليلا,الحقيقة أنه ينسى كثيرا,بل لم يعد يتذكر الأشياء كما حدثت فعلا ولهذا دائما ما تتدخل زوجته العجوز هي الأخرى لإعادة سرد الحكايات التي يرويها أو تصحيح بعض ما يقول وأحيانا تحتد موجهه حديثها إلينا قائلة: لا لا ليس صحيحا,ثم تلتفت نحوه مشيرة بيدها تعبيرا عن اعتراضها على ما يقول لكنه لا يعطيها بالا فتعود لتوجه حديثها نحونا قائلة:هذا ليس حقيقيا الرجل فقد الذاكرة,أكثر ما كان يزعجها أنه يجعل من نفسه بطلا لكل الحكايات التي يرويها,فعندما أخبرنا بحكاية سقوط جده في البئر أخبرنا أيضا بأنه هو من نزل خلفه بعد ذلك وربط جثته بالحبال لكنها اعترضت قائلة أن تلك القصة حدثت وهو صغير وأن الذي نزل للبئر كان والده, لكنه أكمل قائلا: أنه هو نفسه كاد أن يموت في تلك البئر بعد سنوات لأنه نزلها مجددا ودون حبال من أجل إحضار الدلو الذي أسقطته إحدى النساء, هذه المرة لم تعترض العجوز, ربما تكون ملّت من متابعة الحديث فهو يكرره دائما, أما نحن فكنّا نستمع فقط ولم نكن نتداخل بالكلام والحق أن طريقته الجميلة في الحديث كانت تعجبنا, وكانت ملامح السعادة واضحة عليه وهو يسرد حكاياته وعندما نغادر المكان ينادينا قائلا: ابقوا قليلا ..فنشير بأيدينا بما يفهم منه أن الصلاة حانت , فينادي زوجته طالبا منها سطل الماء للوضوء.
أخشى أن افقد ذاكرتي وأُكنى بعجوزة!
[جميل جدا