رواية ” تقاطع” رجال مهزومون ومصائر متقاطعة !
14 سبتمبر, 2009 من صلاح القرشي

بقلم / يحي البطاط / مجلة القافلة / عدد يوليو اغسطس 2009
تواصل الرواية السعودية، منذ مطلع هذا القرن، تأكيد حضورها بقوة في دنيا السرد المدهشة، عبر سلسلة من الأعمال التي تصدى لها عدد من الروائيين الشباب..
حضور لم يفرزه كم الروايات الصادرة خلال العقد الأخير فحسب، إنما أكدته قدرة هذه الأعمال الأدبية على ملاحقة التغيرات الدراماتيكية التي لامست جوانب مهمة في حياة المجتمع السعودي والمجتمعات العربية المجاورة، إضافة إلى امتلاك تلك الأعمال لمسوغات فنية وثقافية أكدت تفوقها وقدرتها على الاستمرار بزخم لا يمكن تجاهله. وقد جاءت أعمال الكاتب السعودي صلاح القرشي على قلتها، لتؤكد هذا الحضور، سواء على مستوى المعالجة الفنية أو على مستوى الموضوع.
وتُعد «تقاطع» الصادرة في الرياض هذا العام 2009م عن دار وجوه للنشر والتوزيع، والتي سنسلط الضوء عليها في هذه القراءة، الرواية الثانية لهذا الكاتب المبدع، بعد روايته الأولى «بنت الجبل» الصادرة عن نفس الدار عام 2007م، ومجموعته القصصية «ثرثرة فوق الليل» الصادرة عن دار الشروق القاهرية عام 2004م.
وعلى الرغم من قصر رواية «تقاطع» التي لا يتجاوز عدد صفحاتها 120 صفحة من القطع المتوسط، فإن المؤلف استطاع عبر معماره الروائي المبتكر ولغته التي تميزت ببساطتها، وعفويتها وكثافتها، أن يختزل مصائر أبطاله، ويقدمهم للقارئ بحرارة وجرأة وصدق.
ثلاث شخصيات تتقاسم البطولة.. تلتف وتتقاطع خطوط مصائرها عبر ثلاث حكايات متوازية، لتنتهي في بؤرة واحدة اختتم بها المؤلف عمله، أشّرت عمق الأزمة الوجودية التي يعيشها أبطاله. أزمة الثقة بالمستقبل، وأزمة العلاقات الإنسانية وجدواها.
أول تلك الشخصيات، الراوي العليم، وسارد الحكايات الثلاث، الشاب المثقف الذي تتناسل أسئلته وشكوكه حول الكثير من القيم والأفكار السياسية والثقافية والاجتماعية السائدة في هذه المرحلة، وهو يستدرج في حواراته ومنولوجاته حزمة من المفاهيم المهيمنة، ويسعى لتفكيك الخطاب الاجتماعي والسياسي المرافق لها.
والثاني فرحان العص الشاب الهامشي، المنبوذ، ومتعاطي المخدرات، الذي يفشل في الدراسة والحب والحياة، ويتوج حياته بهزيمة ساحقة أمام أحلامه البسيطة.
أما الثالث فهو الكميت بن زيد الشاعر المتمرد على بني أمية الذي تمتد ظلاله عبر أكثر من ثلاثة عشر قرناً لتحيط بالرواية وأبطالها، وتشكل في الوقت نفسه، مرجعية ثقافية ونفسية لتبرير وربما تفسير،ما يدور في محيط الراوي من تقلبات سياسية واجتماعية عنيفة.
غير أن الحكايات ومصائر أبطالها الثلاثة، رغم تقاطعها عبر السرد فإنها تبقى محتفظة بحيواتها المستقلة وبقدرة هؤلاء الأبطال على بناء عوالمهم وتشكيل مصائرهم. وهذا ما تكشفه عن كثب صفحات الرواية.
البحث عن بطل
يعلن الراوي (الناطق الرسمي باسم المؤلف) في الجملة الأولى من عمله أنه كان ينوي كتابة رواية تاريخية عن حياة الشاعر الأموي الكميت بن زيد، المعروف عنه بأنه شاعر مجدد وثائر، ولد عام 60 للهجرة. غير أن حادثة غريبة غيرت اتجاه المشروع الروائي وزمانه، وجعلت المؤلف ينتقل من أحداث جرت في الكوفة في القرنين الأول والثاني الهجريين، إلى أحداث جرت في مكة في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي.
بطل تلك الحادثة المفصلية هو فرحان العص، ابن الحي الذي يتشاركان السكنى فيه. فقد قلب العص احتفال زفاف إلى معركة دامية انتهت بنقل العريس (منصور الدبا) إلى المشفى، بعد أن انهال عليه ضرباً بعصاه وهما يرقصان معاً.
إن إحساس العص بالقهر والظلم والحرمان وقناعته بأن هذا العريس خطف منه بغير حق حبيبته (حنان الماجدي) التي هام بحبها منذ أيام الطفولة، جعلته يقدم على فعلته على مرأى ومسمع سكان الحي.
من هذه الحادثة أو النقطة، يباشر المؤلف بغزل مصائر أبطاله الثلاثة جنباً إلى جنب. فالكميت بن زيد، وعلى رغم تحول الراوي عنه، كبطل أوحد يبقى حاضراً بوصفه بطلاً مشتهى. يقول الراوي: «توقفت في منتصف العمل.. شعرت ببؤس الكتابة وبؤس الموضوع.. وزئبقية حكاية الظالم والمظلوم» ويبرر في الوقت نفسه تحوله إلى كتابة رواية عن العص بقوله: «أصبح فرحان العص محور اهتمامي وتفكيري، فما فعله أسعدني مهما حاولت أن أقنع نفسي بأنه عمل شرير وانتقامي». ص7
ولكن من هو فرحان العص هذا؟
«سموه فرحان لكن الأم لم تعرف الفرح كثيراً بعد ولادته.. كسرها موت الأب وهي لا تزال حاملاً». ص25
وفي فقرة لاحقة نقرأ: «في المدرسة سموه العص لنحافته الشديدة.. واستمر هذا الاسم معه حتى كبر.. بل صار بديلاً لاسمه فيكفي أن تقول العص ليعرف الجميع أنك تتحدث عن فرحان..
لكن العص اليتيم والنحيف جداً لم يكن بالطفل الضعيف أو الجبان.. فكل من دخل معه في شجار من أطفال الحارة أو المدرسة عرف أنه ليس سهل الجانب.. وخصوصاً عندما يشعر بالظلم». ص26
وفي جملة أخرى جاءت في سياق مونولوج على لسان العص نفسه: «… أما أنت يا فرحان فلست سوى … فاشل وعاطل، يحذر الجميع أولادهم من الحديث معك ومماشاتك، هذا غير إشاعات وحكايات لا تتوقف مملحة دائماً بالأكاذيب والزوائد». ص15
أوهام الحب
تكتمل عناصر شخصية العص من خلال نموها الدرامي في إطار علاقته المتوترة، بثلاث شخصيات: أمه التي فقدت زوجها وهي لم تزل حاملاً به، فرأت في الطفل الوليد ملاذاً لحلمها الأخير.. أن ينجح ويشق طريقه إلى الجامعة ويعوض عليها خيبتها بأشقائه الفاشلين، ثم شقيقه الأكبر، جابر، جندي المرور الذي يلعب مؤقتاً دور الأب، ثم سرعان ما يتحول هذا الدور الأبوي إلى تجاهل، يعززه شعور متبادل بالامتعاض والريبة بين الشقيقين، بسبب نزق فرحان وانفلاته، ورغبته في تحقيق ذاته بأي ثمن.
وأخيراً حنان الماجدي، ابنة الحي، الحبيبة المفترضة التي يتوهم العص معها قصة حب… حب من طرف واحد، مبتور، وسلبي، بناه العص على استيهامات ورغبات مكبوتة، تستلهم حرارتها من ذكريات طفولية هشة، وأحلام يقظة لا تنتمي إلى الواقع.
غير أن العص المحبط، والمحطم عاطفياً، يجد نفسه مستدرجاً إلى شلة يقودها أبو هند تتعاطى وتتاجر بالمخدرات، وفي خضم علاقته المريبة بهذه الشلة يكتشف العص ذاته، ويقع في الوقت نفسه بغرام (سحر) الفتاة الهاربة من مصيرها وماضيها، بعد أن تملك لب الفتى وتستحوذ على اهتمامه: «حديثها جميل وصوتها هادئ لا يكاد يسمع، بيضاء شعرها طويل.. ولولا كسر في إحدى أسنانها لكانت ابتسامتها مجنونة» هكذا وصفها العص، وبسببها صار لا ينقطع عن أبي هند الذي قال له:
- «مونها وخذها». ص77
لكن هذا العرض المخادع من أبي هند يجر العص، إلى إخفاق جديد، عندما ترفض الفتاة، رغم إعجابها، الارتباط به كحبيبة، أو كزوجة، وعلى عتبة هذا الرفض لا يتحطم قلبه فحسب، بل تتحطم حياته بأسرها ويقع في قبضة الشرطة التي كانت تراقب نشاطه المشبوه، وهو متلبس بحيازة كمية كبيرة من المخدرات في غرفته.
الراوي العليم
إن قلق شخصية الراوي، وبحثه الدؤوب عن الحرية بمعناها الإنساني العميق أحالني إلى شخصية اللامنتمي التي روَّج لها الكاتب الإنكليزي كولن ولسون في كتابه الشهير الذي ترجم إلى العربية في سبعينيات القرن الماضي، فتماهيه مع شخصية العص من جانب، أنهما عاشقان صامتان لنفس الفتاة (حنان الماجدي) وإعجابه بشخصية الشاعر الأموي الثائر الكميت بن زيد من جانب آخر، وارتباك علاقته بزوجته وأبنائه، ورغبته في فهم ما يجري حوله من أحداث وأفكار، من دون الركون إلى الحلول والمقولات الجاهزة تجعل منه شخصية مثالية للوصف الولسني.
تسأله زوجته:
«- ما صلحت نفسك وبيتك وتبغي تصلح الكون.
لا أريد إصلاح شي أبداً يا زوجتي العزيزة.. أريد أن أتأمل الكون فقط.. أتأمله دون إزعاج ولا قلق، دون قيود لدي طاقات لا تستوعبها الأشياء…».
وفي لعبة فنية بارعة يتحرر الراوي من المتن الروائي، ويستحوذ على مساحة حرة تشبه حالة العازف المنفرد على آلة واحدة بين جوقة العازفين، مساحة يبث من خلالها مقولاته، وشكواه، وينسج إلى جانب المتن نصاً موازياً، يتراوح بين الأخلاقي والأيديولوجي والفلسفي والفكري، يشرح ويبرر ويفسر، وينتقل عبر الزمن والأحداث بحرية مطلقة، مسترشداً بنصوص مستلة من التاريخ، أو مجتهداً في تقديم تحليلات وآراء عن الحب والزواج والانتقام والتعصب والديمقراطية والتخلف، واليمين واليسار، وصدام حسين ومقتدى الصدر.
غير أن لعبة كسر الإيهام التي انتهجها الراوي، تبلغ ذروتها في واحدة من أكثر فقرات الرواية إمتاعاً، فقد أسهب في تحليل فني وموضوعي لاختيار النهاية المناسبة للبطل فرحان العص:
«نهاية عادية ودرامية تماماً، البطل الذي يبيع المخدرات تقبض عليه الشرطة، كنت واعياً لهذا الأمر، بل وفكرت في تغيير النهاية، ماذا لو سمع العص أصواتهم وهم يصعدون الدرج فنهض سريعاً لينزل كقرد على ماسورة المجاري التي لا تبعد كثيراً عن نافذة غرفته، ثم ليختفي فلا يبقى له أثر.
ماذا لو أن مكافحة المخدرات لم تأت أصلاً ولم تعلم بشأن العص وبضاعته الممنوعة، هناك الكثير حتماً ممن يبيعون المخدرات ولا يدري بهم أحد، لتمضي حياة الرجل كما كانت، يقضي أغلب النهار نائماً في غرفته ويمضي أغلب الليل في استراحة أبي هند حيث يتشكل حبه الجديد لسحر..».
كما يفلسف الراوي نهاية العص ويشببها بنهاية الكميت بن زيد فكلاهما لم يختر نهايته الممتلئة بالمفارقة، فنهاية العص كانت عادية وبسيطة -كما يقول- لسبب بسيط جداً هو أننا لم نخترها. مذكراً بشطر من بيت شعري للكميت طالما ردده الراوي:
«اليوم عدت إلى أمية والأمور لها مصائر».
المفارقة أن الراوي يكتشف أنه تحدث عن نفسه أكثر مما كان يتمنى. فيقول معترفاً:
«عندما أعدت قراءة ما كتبت، وجدت أن ما كتبته عن نفسي يفوق المكتوب عن العص. قلت (لا يهم فنحن نتقاطع كثيراً)». ص 108
نعم، تتقاطع حيوات هؤلاء الأبطال كثيراً أو قليلاً، غير أن التقاطع الأوضح هو في أنهم ثلاثتهم أبطال مهزومون، الكميت بن زيد هزمته أفكاره الثورية وشجاعته وأودت بحياته، والعص عاشق سلبي ومتهور وفاشل في الحب، ولا يستطيع مواجهة أسئلة الحياة.
أما الراوي فقد هزمه خوفه في مواجهة اشتراطات الحرية التي يحلم بها، فعاد إلى زوجته التي سبق وأعلن ضجره منها. بل إنه ترك شريكيه وصاحبيه في لعبة التقاطع يواجهان مصيرهما المحتوم، مقتل الكميت، ونهاية العص في السجن، بينما كان هو يمضي استراحة استجمام في شاليه في أبحر!!
مرحباً أ / صلاح القرشي
قرأت تقاطع .. قريباً قبل أقل من شهر
وشعرت فيها بالصدقِ والعاطفةِ التي تشحذ الرواية
خاصةً وهي تتحدث بروحِ مكة .. التي ترفرف في الجوانح ..
وربما الحياةُ برمّتها تماثل تقاطعاً مع العدم .
لك تحياتي
أهلا بك يا سيدي
يسعدني رأيك كثيرا لأنه يصدر من مثقف جميل مثلك
أرجو أن أكون دائما عند حسن ظنك ..
ولك المودة