858untitled1

عباءة لامعة

 لعلي كنت في الثاني متوسط وقتها , أعود بين المغرب والعشاء إلى منزلنا مغبرا من لعب الكرة , ومشغولا بواجبات مدرسية لم أكملها , وعندما أصل إلى الزقاق الضيق الذي تحده المقابر من جهة والحوش المسكون من جهة أخرى تتسارع خطواتي ونبضات قلبي وأكرر البسملة حتى أصل للبرحة التي يقع بيتنا بعدها بقليل , لكنني في ذلك اليوم احتجت أن أعبر الشارع الموحش بهدوء وسكينة فما أن انعطفت نحوه حتى سمعت صوت يناديني ( ياولد ) كان الصوت قادما من باب أحد البيوت وبدت سيدة كبيرة تضع (شيلة ) على وجهها قالت :
- (تكفى ياوليدي أمش مع البنت الين توصلها أعلى الشارع أخوها ما جاء يأخذها وهي خائفة تروح لحالها )
قلت ( ابشري يا خاله ) ونادتها ( هيا لا تعطلين ولد الناس )
كانت أطول مني قليلا تلبس عباءة لامعة لا تشبه عباءة أمي , مشيت معها بهدوء وعندما تجاوزنا الشارع المظلم همست ( شكرا .. هذا بيتنا ) .

 

طيور
لم يخبرني أحد أنها غربان , ولم أكن وقتها قد فهمت أن الغراب نذير شؤم , لكنها كانت سوداء ومتشابهة , تحلق عاليا فوق جبلنا , كانت السماء يومها ممتلئة بغيوم بيضاء , وكنت سمعتهم يقولون أن السماء لا تمطر إلا عندما تصبح الغيوم غامقة .
الغيوم البيضاء كانت على أشكال مختلفة إحداها تشبه الفيل الذي شاهدته مع أبي في حديقة الحيوان .
الطيور لا تختفي خلف السحابة التي تشبه الفيل , لكنني كنت أعتقد أنها قريبة جدا من تلك السحابة تمنيت كثيرا لو كنت قادرا على الطيران , ولما رأتني أمي لا أرفع نظري عن السماء قالت :
- ( رقبتك ستنكسر .. وش تبي بهالغربان عينك فيها ) ؟
- جميلة !
- ( قطعها الله روح شف دروسك ابرك لك ).
خرطوم الفيل اختفى وتحول إلى مكعبات ودوائر صغيرة , فيما سحابة أخرى صارت تشبه بطوط في مجلة ميكي ..والطيور لا تزال تحلق عاليا , بعضها يبدو بعيدا جدا , وأمي تلفحني بنظراتها كلما وجدتني رافعا رأسي أراقب الطيور السوداء الجميلة .

 

جريدة
طلب مني أن أشتري له جريدة , ومنحني ريالين قائلا : (وخذ لك بيبسي حق تعبك )
وعندما أحضرت الجريدة لم أجده أسفل البناية فصعدت الدرج واحترت أي شقة يسكن ولم أجد حيلة سوى أن أطرق أحد البابين , فتحت لي شابة ذات شعر طويل وثوب قصير الأكمام وخدّين متوردين وصدر نافر ..قلت الجريدة , قالت شكرا .
وفي الحارة أخبرت كل رفاقي أنني( شفت وحده زي القمر ) .

العجوز

 old_man

صار ينسى قليلا, تتداخل الأماكن والأزمنة في ذاكرته, لأنه يتحدث أكثر مما يستمع,ربما لأنه فقد حاسة السمع تماما و فشل في التأقلم مع سماعة الأذن الخارجية التي اشترتها له ابنته.
قلت أنه ينسى قليلا,الحقيقة أنه ينسى كثيرا,بل لم يعد يتذكر الأشياء كما حدثت فعلا ولهذا دائما ما تتدخل زوجته العجوز هي الأخرى لإعادة سرد الحكايات التي يرويها أو تصحيح بعض ما يقول وأحيانا تحتد موجهه حديثها إلينا قائلة: لا لا ليس صحيحا,ثم تلتفت نحوه مشيرة بيدها تعبيرا عن اعتراضها على ما يقول لكنه لا يعطيها بالا فتعود لتوجه حديثها نحونا قائلة:هذا ليس حقيقيا الرجل فقد الذاكرة,أكثر ما كان يزعجها أنه يجعل من نفسه بطلا لكل الحكايات التي يرويها,فعندما أخبرنا بحكاية سقوط جده في البئر أخبرنا أيضا بأنه هو من نزل خلفه بعد ذلك وربط جثته بالحبال لكنها اعترضت قائلة أن تلك القصة حدثت وهو صغير وأن الذي نزل للبئر كان والده, لكنه أكمل قائلا: أنه هو نفسه كاد أن يموت في تلك البئر بعد سنوات لأنه نزلها مجددا ودون حبال من أجل إحضار الدلو الذي أسقطته إحدى النساء, هذه المرة لم تعترض العجوز, ربما تكون ملّت من متابعة الحديث فهو يكرره دائما, أما نحن فكنّا نستمع فقط ولم نكن نتداخل بالكلام والحق أن طريقته الجميلة في الحديث كانت تعجبنا, وكانت ملامح السعادة واضحة عليه وهو يسرد حكاياته وعندما نغادر المكان ينادينا قائلا: ابقوا قليلا ..فنشير بأيدينا بما يفهم منه أن الصلاة حانت , فينادي زوجته طالبا منها سطل الماء للوضوء.

the-willow-tree

 

أعشق السينما الإيرانية ..هذه السينما لا تمنح المتعة الاعتيادية التي تجدها عادة مع أي فيلم سينمائي جميل لكنها تمنحك متعا إضافية وكأنما انت تشاهد فيلما وتقرأ رواية أو ديوان شعر وفي نفس الوقت تتجول في معرض تشكيلي باذخ الجمال ..
هذا هو حال السينما الإيرانية عموما…وخصوصا في أفلام لعباقرة هذا الفن في ايران كعباس كيروستامي صاحب طعم الكرز وصاحب تحملنا الريح ..أو  مجيد مجيدي  صاحب أطفال الجنة وصاحب  هذا الفيلم الذي اتحدث عنه ..شجرة الصفصاف ..
هذا الفيلم يحكي قصة بروفيسور يدرّس الأدب في جامعة طهران  أعمى منذ 38 سنة لكنه يستعيد بصره بمعجزة في عملية جراحية يجريها في أوربا …لقطة رفعه للضمادات ومراقبته بعد ذلك لنملة صغيرة تمشي على الجدار من المشاهد التي لا تنسى ..وكذلك مشهد رؤيته لصورته منعكسة في الزجاج ثم تأمله للناس في المطار وهو يعود بصيرا ..لاحظ توظيف اللقطات للألوان ..
لكن ماذا يحدث بعد ذلك ؟
يفقد هذا الأعمى سكينته عندما يستعيد بصرة ..لا يعود يحب زوجته ..ولا يهتم بعمله ..يود لو أنه قادر على استعادة سنواته  التي مضت وهو كفيف ..يصرخ في وجه زوجته  لا تعامليني بامومة لقد كبرت  , يتوق إلى الشابة التي تصغره كثيرا ..
باختصار يفقد سكينته ..يكتشف نفسه مبصرا   كشخص أخرا مختلف عن ذلك الكفيف الراضي بحياته وعائلته وكتبه وجامعته ..
قلت في البداية سحر السينما الايرانية وسحر مجيدي تحديدا لا يكمن في مجرد القصة فقط..ولا  في أداء الممثلين ..ولكنه  اضافة لهذا 
في ذلك الحس  الجمالي الخرافي الذي يمتلكه مجيدي ….كل لقطه تقريبا في الفلم هي لوحة فنية باهرة …اللقطات الكبيرة للشوارع ..والسيارات ..والمطر ..والثلج ..واللقطات القريبة ..للأعين والشفاة والمقاعد والأوراق ..الموسيقى الساحرة ..أماكن التصوير الطبيعية والمفعمة بالجمال والحميمية ..
ماذا يحدث للبروفيسور بعد ذلك ؟
لا بد لكم من مشاهدة الفلم .

سنة تمضي….

d988d8afd8a7d8b9

1

العام الوحيد الذي لا يتكرر

هو العام الذي نموت فيه

2

الأيام الوحيدة التي نتأكد أننا عشناها

هي الأيام التي فقدناها .

جدة تغرق

 jaddah-flood103

علاقة هذه المدينة بالماء ملتبسة وغرائبية ففي حين هي عروس البحر إلا أن الفساد صنع بين أهلها وبحرهم سورا ..وحوله إلى بحر للخاصة فيما ترك لأهل هذه المدينة الطيبين أمتارا تملأوها الفئران وتكسوها الحشرات

وفي حين تشرب هذه المدينة من بحرها الحنون ..يأبى الفاسدون إلا أن يلوث هذا البحر بمياه الصرف القذرة..

وفي الوقت الذي فقدت فيه هذا المدينة بحرها صنع الفاسدون بجوارها أكبر بحيرة يصنعها الأنسان من فضلاته ..

وهكذا عندما أتى المطر ..غرقت هذه المدينة المتسامحة..واستشهد المئات من أهلها ..فيما كان الفاسدون يقضون اجازاتهم في مدن أخرى تمتلك شوارع فسيحة وشواطىء نظيفة ومياه صالحة للشرب .

311696

يستعيد الكاتب عبدالله أبكر الحارة المكية القديمة برجالاتها وفنونها وحكاياتها وألعابها الشعبية مستعينا بذاكرة يملأها الحنين وبصور تحمل عبق الماضي الجميل وحميمية العلاقات الاجتماعية .
في كتابه ” صدى الأيام ماذا في حارات مكة ” يواصل عبدالله أبكر مشروعه الجميل الذي بدأه بكتابه الأول “صور من تراث مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري” وهناك كتابا لا زال في انتظار النشر بعنوان”لهجات وأقوال أهل مكة”
في كتاب أبكر عن حارات مكة يمكننا أن نتجول في الشوارع القديمة التي تلاشت تماما في مدينة تكاد تكون أكثر المدن تبدلا وتغيرا إن يكن من الناحية العمرانية أو حتى من جهة الفنون الشعبية والتقاليد الاجتماعية فالمؤلف يعبر بنا على العديد من الشخصيات المكية الأثيرة بمختلف مستوياتها الاجتماعية من الوزراء إلى العمد وراقصي المزمار والبنائين والسائقين والصناع والباعة كما نمر بالأسواق والمقاه القديمة ومراكيز السمر وجلسات الطرب حيث يعلو صوت الصهبجية ..وهم من يؤدي فن الصهبة المكي الأصيل ..
يقول الأستاذ عبدالله أبكر مجيبا على سؤال يتعلق بارتباط المكان بالتقاليد والفنون :بلا شك أن الفنون والعادات مرتبطة بالمكان ارتباطا وثيقا لأنه يمثل البيئة الحقيقية لها , وهكذا فاندثار المكان يعني اندثار الكثير من الأشياء معه .
ولأن كتاب أبكر يتناول الماضي بحنين وخوف وكأنما هو يخشى أن تزول تلك الأمكنة من الذاكرة كما زالت من الواقع ..سألته : هل تلاشت تماما الحارة المكية في الوقت الحاضر؟ فأجاب …ليس بالقطع فما زالت بعض معالم الحارات القديمة ترنو باستحياء لكن الكثير من معالم الحارة القديمة اختفى وبقيت تلك المعالم مرسومة في قلوب وذاكرة المحبين ..
لكن هل يفترض بالفنون الشعبية الجميلة كأدوار الصهبة مثلا أن تغيب ؟
يقول عبدالله أبكر ..للأسف ..فالأجيال الجديدة تبحث عن الأسهل ..وتتعامل مع هذا الفن الجميل باعتباره لا يواكب سرعة العصر ..
أخيرا سألته : الفصل الأخير من الكتاب كان بعنوان مراثي ..لكن ألا توافقني أن الكتاب بمجملة هو مرثية حزينة لماض جميل ..فقال : يمكن اعتبار الكتاب كما تقول ويمكن اعتباره أيضا محاولة لتوثيق الكثير مما نخاف أن تنساه الأجيال القادمة

اليمن..اليمن

d8a7d984d98ad985d986

لا استطيع الكتابة عن اليمن بحياد وموضوعية لأنني أحب اليمن واليمنيين..
لكني اعتقد أن كل مشاكل هذا البلد الكثيرة والمتفرعة يمكن اختصارها في مشكلة واحدة فقط …
الأقتصاد ..
واعتقد أن كل أو أكثر هذه المشاكل التي تبدو صعبة ومستعصية ستتلاشى لو استطاع هذا البلد الجار أن يحسن من وضعه الاقتصادي ويرفع من المستوى المعيشى والتنموي لمجتمعه ..
ربما تكون هذه بديهية
ولا جديد فيها ..
لكن وياللاسف فإن أغلب الكوارث العربية منذ الخمسينات وحتى اليوم يكمن في التعامي عن البديهيات ..
ومن هذه البديهيات أن معالجة هذا الأمر اليمني الخاص هو ضرورة سياسية يجب أن تساهم بها دول الخليج العربي وخصوصا المملكة ..
ليس لدواعي الجيرة والأخوة والدين فقط وهي أمور قد لا تبدو مهمة في نظر السياسة الخالص ..
لكن لدواعي الأمن والاستقرار وهو أمر ضروري سياسيا واجتماعيا ..
فضعف هذا البلد الجار وتراكم مشاكلة وتنوعها ينعكس على جيرانه وربما تطلب في النهاية معالجات تكلف الكثير من المال والجهد ..
وربما لهذا فإن الوقوف اقتصاديا وتنمويا مع اليمن هو أمر استراتيجي ..ومهم .وحيوي..كما أنه ليس بالأمر الصعب خصوصا وأن اليمن يمتلك ثروة بشرية جيدة فيما دول الخليج تغص بالعمالة القادمة من أصقاع الكون ..والأقربون أولى بالمعروف .

حالة….

 someti10

كانت تحدثه بحنان كبير وهما يأكلان من نفس الطبق , كانت أمامي مباشرة, ممتلئة بالشباب وذات سمار آخاذ , التقت عينانا للحظات وعندما غادرا معا شعرت بوحدة هائلة.

3ain

أنوارك هلّت ..هيه ..هيه..عـالدنيا وطلّت ..هيه ..هيه !

لا أعرف لماذا أغنيات العيد التي يفترض أن تصيبني بالفرح تحدث في نفسي العكس, فأصاب معها بحزن شفاف وعميق..

هذه الأنشودة , أنوارك هلّت..
تخطفني من نفسي وتلقي بي حيث الطفولة , وحيث الأماكن القديمة.

يا ليلة العيد آنستينا…وجددتي الفرح فينا.

هل كان ذلك الملحن العبقري الذي لحن لأم كلثوم هذه الأغنية يقصد الحزن لا الفرح ؟

فالأغنية حزينة حتى العظم !

الأغنية يا (ست ) تجدد أحزاني بدلا من أن تجدد أفراحي !
أم أنني كائن حزين ؟

أم أننا كائنات بكاء ؟

نبكي في الفرح , ونبكي في الحزن .

ومن العايدين
ومن الفايزين …إنشالله .

d8aad982d8a7d8a7d8a7d8a7d8b7d8b9

بقلم / يحي البطاط / مجلة القافلة / عدد يوليو اغسطس 2009

تواصل الرواية السعودية، منذ مطلع هذا القرن، تأكيد حضورها بقوة في دنيا السرد المدهشة، عبر سلسلة من الأعمال التي تصدى لها عدد من الروائيين الشباب..
حضور لم يفرزه كم الروايات الصادرة خلال العقد الأخير فحسب، إنما أكدته قدرة هذه الأعمال الأدبية على ملاحقة التغيرات الدراماتيكية التي لامست جوانب مهمة في حياة المجتمع السعودي والمجتمعات العربية المجاورة، إضافة إلى امتلاك تلك الأعمال لمسوغات فنية وثقافية أكدت تفوقها وقدرتها على الاستمرار بزخم لا يمكن تجاهله. وقد جاءت أعمال الكاتب السعودي صلاح القرشي على قلتها، لتؤكد هذا الحضور، سواء على مستوى المعالجة الفنية أو على مستوى الموضوع. أكمل قراءة بقية الموضوع »

مواضيع لاحقة »

دعم هذه المدونة بواسطة
توميغا